مقالة بقلم م/ أحمد بهجت – خبير تقنية المعلومات واستشاري مشاريع الذكاء الاصطناعي
هل يمثل التحول إلى نموذج الاشتراكات الشهرية تطورًا طبيعيًا في الاقتصاد الرقمي أم عبئًا متزايدًا على المستخدم؟
أكيد أثرت التكنولوجيا الحديثة والتطبيقات الكثيرة اليوم على كل مظاهر الحياة وعلى سلوك الانسان بصفة عامة وأضافت أبعادا وعادات جديدة ولكن لابد من تحقيق التوازن بين الاستفادة من تطبيقات التكنولوجيا الحديثة مثل منصات التواصل الاجتماعي المختلفة وتطبيقات الواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي الموجودة بسهولة على أجهزة الموبيل ومنصات المضاربات على الانترنت وغيرها من برامج عادية مثل أوفيس 365 ومن أهم تلك التأثيرات هو التأثير على دفع وتدفقات السيولة لدى المستخدم سواء كان على مستوى الافراد أو الشركات.

اليوم كل من صمم منصة أو تطبيق سواء شركة عالمية كبرى مثل ميكروسوفت مثلا أو شركة محلية أو حتى مبرمج صغير يطمع في الاستدامة المالية عبر جمع أكبر قدر من اشتراكات المستخدمين لديه شهريا أو سنويا وذلك بإغراء المستخدم بالاشتراك بقيمة زهيدة للتمتع بالخدمة ويغطى المطور تكاليفه عن طريق جمع أكبر قدر من المشتركين لديه للتمتع باستخدام الوظيفة التي يقوم بها تطبيقه أو منصته.
- إلى أي مدى يمكن اعتبار مفهوم “الإقطاع الرقمي” وصفًا دقيقًا لعلاقة المستخدمين مع التطبيقات الحديثة؟
كلمة الاقطاع الرقمي قد تكون غير دقيق هنا لأن المستخدم المشترك في الخدمة او التطبيق يقوم بالاشتراك بمحط أرادته ويدخل بيانات بطاقة الائتمان الخاصة به بكل قناعة وله الحق في فسخ الارتباط مع منصة الخدمة (ما لم تكن شروط الاشتراك هي شروط اذعان).
إذن، المفهوم ليس دقيقًا بالمعنى التاريخي الحرفي، ولكنه دقيق جدًا كاستعارة لانتقاد:
- نزعة الاحتكار وتركز الثروة من بعض المنصات العالمية الكبرى وخاصة الامريكية.
- تحول “البيع” إلى “تأجير” بدلا من الحصول على الشفرة المصدرية للبرنامج/المنصة
- خلق حالة من التبعية المستمرة وهنا هو الاستعمار الرقمي اللفظ الأنسب.
في النهاية، التوازن الذي أشرت إليه يتحقق عندما يدرك المستخدم أن هذه العلاقة قائمة على المنفعة المتبادلة، حيث لا يوجد أكراه مدى لكن أنصح المستخدم أن يسعى دائمًا إلى:
- تنويع مصادره حتى لا يصبح أسير منصة واحدة.
- دعم النماذج البديلة (مثل البرامج مفتوحة المصدر) مع التحفظ على مبادئ الأمن السيبراني.
- المطالبة بحقوق أقوى في البيانات وإمكانية نقلها بسهولة.
- النظر إلى الاشتراك كدفعة مقابل خدمة وليس كجزية.

- هل تبرر تكاليف تشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي ارتفاع أسعار الخدمات الرقمية؟
هنا تحتاج أن تضع نفسك في مكان الشركات والمطورين والمبرمجين ممدى الخدمة وعدد ساعات عملهم وتكلفة الربط والحماية وتخزين بيانات، اكواد المنصة التي تمد المستخدم بالخدمة وستعرف ان لهؤلاء الناس استثمارات ضخمة صرفوها وأنفقوا عليها ومنتظرين المردد الاستثماري من فكرتهم ومن استثمارهم في مجال التكنولوجيا.
خلاصة القول هنا نعم وبكل تأكيد تبرر تكاليف تشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) إلى حد كبير الارتفاع الملحوظ في أسعار الخدمات الرقمية، حيث تفرض هذه التقنيات أعباءً مالية مستمرة تتجاوز بكثير تكاليف البرمجيات التقليدية.
- كيف غيّرت قوانين الخصوصية الصارمة نموذج الأعمال القائم على الإعلانات والبيانات؟
من الواقعي والجميل حاليا في معظم الدول وخاصة دولنا العربية وعلى رأسها دولة الامرات العربية المتحدة ومصر والمغرب صدور قوانين تقنية المعلومات ومكافحة الشائعات مثل القانون الاتحادي رقم 34 لسنه 2024 وهى قوانيين أصدرها المشرع بلهجة LegalTech لتعكس الواقع.
قوانين الخصوصية الصارمة (مثل GDPR/قوانين الكوكيز في أوروبا وCCPA/CPRA في أمريكا وقيود DSA + سياسات المنصات مثل Apple ATT) غيّرت نموذج “الإعلانات المعتمدة على التتبع والبيانات” في عدة اتجاهات مثل على سبيل المثال لا الحصر:
- تقليص البيانات المتاحة للتتبع والاستهداف.
- تغيّر نوع الإعلانات: من السلوكي إلى السياقي مع وضع قيود على فئات معينة.
- حقوق “الانسحاب” للمستخدم في أي وقت صارت حقيقة تشغيلية تؤثر على الإيرادات.
نستطيع القول بأن النموذج انتقل تدريجيًا من “اجمع أكبر قدر من بيانات المستخدم وبيع استهداف شديد التخصيص” إلى “اجمع أقل قدر ممكن + اعتمد على موافقات واضحة + ركّز على الطرف الأول والسياق والقياس المجمّع”، مع ارتفاع تكلفة الامتثال وتحوّل بعض الشركات لمصادر دخل بديلة (اشتراكات/Paywalls، شراكات بيانات والتي تبيع قواعد عملاء وتحاليل.
- هل فقد المستخدمون فعليًا فكرة “امتلاك البرمجيات” لصالح “حق الوصول المؤقت”؟
نعم. قولا واحد وتستطيع ترى ذلك بوضوح لو طبقته على استخداماتك انت اليومية من البرامج.
- ما هو التوازن العادل بين ربحية الشركات الرقمية وضمان وصول المستخدمين للخدمات الأساسية؟
سؤال صعب فعلا لأنك لا بد ان تضع نفسك في مكان الطرفين وتكون على مسافة واحدة منهما (المستخدم & الشركة مقدمة الخدمة) حيث التوازن العادل من وجه نظري يقع في المنطقة التي:
- تضمن فيها الشركات: تدفقًا نقديًا كافيًا لتغطية تكاليف التطوير والتشغيل والأمان، وتحقيق هامش ربح معقول يكافئ المطورين والمستثمرين.
- يتمتع فيها المستخدمون: بحق الوصول إلى خدمات رقمية أساسية موثوقة وآمنة، دون أن يشكل السعر عائقًا أمام مشاركتهم في الاقتصاد والمجتمع الرقمي.
لذلك تجد اليوم السوق فيه نماذج الاشتراك بشكل يحترم تنوع القدرات الشرائية، ولا يخلق فجوة رقمية جديدة بين من يستطيع الدفع ومن لا يستطيع.
هذا التوازن يتحول من علاقة “سيد إقطاعي تقني” إلى علاقة “مزود خدمة وشريك”، حيث يدفع المستخدم ثمنًا عادلًا مقابل قيمة حقيقية، وتزدهر الشركة بدون أن تفقد بوصلتها الأخلاقية.
